Social – اجتماعي

#لعلها_تفيد – الحلقة الثالثة: لحظات التعلم الأولى

عادة قبل بداية الدراسة يكون هناك ندوات توجيهية لمعرفة أهم ما تريد الجامعة منك معرفته. وهذه الندوات في غاية الأهمية فحاول قصارى جهدك حضورها بنفسك.
الندوة الأولى كانت للطلاب القادمين من الخارج وركز جانب من المحاضرة على مصطلح مهم عن الغش العلمي وهو “plagiarism” وفي ذلك الحين لم أكن أعرف المصطلح ولكن فوجئت بجدية المتحدث وقال من خبرته أن الطلاب القادمين من عدة دول لا يلقوا لذلك بالا ولكنه سبب مشاكل كثيرة في الأبحاث ويمكن فصل الطلاب بسببه.
الندوة الثانية كانت تتحدث عن الصدمة الحضارية ومراحلها الأربعة المعروفة. ما أذهلني هو طبيعة المحاضرة والدقة العلمية في تحليل المنحنى الزمني الخاص بمراحل الألم والتأقلم مع المعيشة الجديدة. عرضوا حينها فيديوهات لطلبة وهم في بداية انضمامهم ثم حين حدوث الصدمة ثم بعد زوالها. شئ مذهل.
المنحنى كان يظهر أن قمة الصدمة تكون في حدود الشهر الثالث. وبالرغم من أني في لقاء مع المحاضر ذكرت له أني لا أشعر بأي غربة والحياة هنا سلسة وخلاف ذلك إلا أنه قال لي ما معناه “كلهم يقولون ذلك في البداية”.
بالفعل في الشهر الثالث بدأت أشعر بكل شئ يتراكم فوق صدري لكن إضافة لألم الغربة والصدمة الحضارية كان عندي آلام أخرى شديدة أحدها كثر التفكير في مصيري إذا لم يقم المشرف بدعمي وأحدها خاص بالكورسات التي مع سهري على مذاكرتها وقلة نومي إلا أني كنت مرعوب لأن بعض زملائي في الفصول كان يظهر لي أن ما نأخذه شئ غير جديد لهم مع سرعة استيعابهم لأي جديد. فكنت أخشى من التقدير النهائي وعواقب أني غيرت تخصصي للهندسة الكهربية.

عشت هذا الرعب أربعة أشهر كاملة هي ربما الأكثر قسوة في حياتي حتى الآن ومع ذلك لم أشارك مخاوفي مطلقا ولم أشك لبشر منها. وكان لسان حالي كما قال أحدهم:
بعثرتني ذات حـــــــــــــــزنٍ .. لوعةٌ عاثت بجــفني
ألهبت صبري وزادت .. من همومـــي فوق همي
كل شيءٍ بات يشكـــــــــــو .. من هُزالي غير أني
قاصرٌ عن وقف دمعي .. تائهٌ عن وصف حالي
إنني وحـــــــــــــــــدي إلهي .. فلتكن أرجوك قربي
متعــــــــبٌ يا ربي فأرحم .. حالتي ولترضى عني
كي تعود الروح تســـــــلو .. وليُروى زهر سعدي
إن تكـــــــــن راض فحسبي .. أن ربي قد رعاني

مع قسوة تلك الأشهر إلا التذلل لرب العباد دون العباد كان أمتع ما فيها. لعلك تسأل لماذا أذكرها الآن؟

حتى يعلم الطالب الجديد أنه سيأتي وقت يعتصر قلبك فيه الهم والغم .. في ذلك الحين حاول أن تتماسك بكل ذرة قوة وإيمان وتذكر هدفك ودع عنك كل ما ليس لك به تحكم.. فليكن الدعاء والخلوة والعمل حلفائك .. وربنا سيكرمك بدون ذرة شك .. ومن رزق واسع كتبه لك لكن أنى لك أن تعرفه. ورسالة لأصدقائك وأهلك ليعلموا أن كل مغترب للرزق هو أضعف مما قد يبدو عليه وعلى الجميع دعمه ولو بالكلمة الطيبة.

نرجع لكورسات الفصل الدراسي الأول وهذا الجزء موجه لمن سيعمل في تصميم الدوائر والنظم الدقيقة.
الكورس الأول كان عن تصميم الدوائر الأنالوج المدمجة وكان من يدرسه دكتور هندي – عزيز علي وصديق حتى الآن – اسمه راميش هارجاني. شخصية رائعة مع أن متوسط الدرجات عنده حينها كان ٣٠٪�!! يعني تجد من يحصل على ٥٠٪� هو أحسن طالب في الفصل 🙂 حاجة تعقد. الكورس كان مثل ساندويتش الديناميت .. دسم جدا لدرجة أن في نهاية الكورس أخذنا محولات الأنالوج لديجيتال.
صداقتي بدكتور هارجاني نمت بسبب أني كنت لا أفوت أي ساعة مكتبية له. حتى لو لا يوجد عندي سؤال كنت أستمع لأسئلة غيري محاولا الاستفادة قدر الإمكان. وساعتها عرفت مقدار القصور الذي عندي وحزنت بشدة لكني اجتهدت قدر الإمكان في القراءة وعمل الواجبات.

الكورس الثاني كان متعلق بالصناعات الدقيقة ودرست فيه الطرق الحديثة والمعادلات الحاكمة لتصنيع الترانسيستور والشرائح الدقيقة. والكورس الثالث عن تصميم الدوائر المدمجة الكثيفة (ديجيتال)

كنت ذكرت أن من الغباء أني أخذت ٣ كورسات فعلا صعبة لكن الاختيار نفسه من حلاوة الكورسات والاستفادة العظيمة منها فعلا محير. الكورسات في الجامعات الأمريكية عموما كنز ثمين .. كنت أسمع أنهم بمجهود كورسات سنتين يحصلون على الماجستير فأسخر منهم .. أما ما رأيت وعاينت اختلفت وجهة نظري تماما لأن بالفعل المجهود المبذول فيها لا يقل أبدا عن الماجستير البحثي.

بالإضافة للكورسات كان علي عمل دراسة بحثية مع المشرف. عرض علي عدة موضوعات معظمها كان شيقا لكن أحدهم لفت نظري وكان متعلقا بعمل نظم ميكرونية غزيرة كل منها بحجم حبة الملح يمكننا غرسها داخل المخ لتسجل إشارات الخلايا العصبية وترسلها لمحطة مركزية داخل المخ ومنها إلى الكمبيوتر بشكل لا سلكي. وكان هذا المشروع جديدا وليس به معلومات مطلقا ولم يعمل على فكرته أحد. لم أتردد كثيرا واخترت هذا المشروع وتفاجئ حينها المشرف من الاختيار لصعوبة المشروع مقارنة بالآخرين. في الواقع كان اختياري متوافقا مع ما كنت أرغب في عمله ومع الكورسات التي قررت تعلمها ولم ألتفت كثيرا لكون المطلوب في المشروع أشبه بالخيال العلمي. سأتحدث لاحقا عن المشروع – والذي استمتعت به جدا – في الوقت المناسب.

كذلك باءت محاولاتي في البحث عن وظيفة بالفشل خاصة أنه غير مصرح لطلاب فيزا F1 بالعمل سوى في نطاق الجامعة. كل الوظائف في المطعم والأنشطة الطلابية وغيرها كانت ممتلئة.
الضغط وصل لذروته والرعب من شبح الفشل يطاردني من كل اتجاه .. غربة .. دراسة صعبة .. كورسات تحتاج مجهودا خرافيا من غير المتخصصين مثلي.

لكن سأختم ببشرى 🙂
من فضل الله حققت تقدما في الدراسة البحثية واستطعت مع مشرفي تقديم مقترح بحثي لمركز الهندسة العصبية في الجامعة وتم اختياري لمنحتهم … حينها تغيرت الدنيا في نظري وصرت أكثر ثقة في نفسي وعملي. والحمد لله رب العالمين.

أما الكورسات فمع الأسف قصرت في أحدها وكان تراكمي الفصل الأول “A-” ومنذ ذلك الفصل القاسي توالت النعم والابتلاءات لكني لم أقل عن “A” بعد ذلك. وأصبح لي مرتب أستطيع أن أعيش به بشكل متواضع يعرفه كل من درس قبل ذلك 🙂

ما يهم الطالب هنا أن عمله في بحثه مع مشرفه أهم من الكورسات وتقديرها بكثير. لكن تقدير الكورسات يكون في أغلب ما ستتقدم له من وظائف بعد ذلك عاملا مساعدا. فحاول أن توازن وتختار أولوياتك جيدا.

إن مع العسر يسرا
ما زال لنا حكايات عن العسر واليسر في حلقات قادمة .. فحياة طالب العلم ليست وردية وليس للنجاح أو الفشل منتهى عنده نزعم أننا نجحنا أو فشلنا. إنما هي تراكمات تنتهي بموتك ومنها ما يبقى لما بعده.

مصادر:
١) الغش وأخلاقيات البحث: شاهد هذه المحاضرة

٢) معلومات عن الصدمة الحضارية
https://en.m.wikipedia.org/wiki/Culture_shock

#لعلها_تفيد – الحلقة الثانية: كل شئ سيتغير
<الخلاصة في آخر الحلقة>

في مثل هذا اليوم عام ٢٠٠٦ كان تبقى يوم واحد على تلك الرحلة التي لا وصف لها سوى أن طموحك قد أوصلك لها وصارت واقعا. من أكثر اللحظات القاسية هي عندما تفكر قبل السفر بيوم وتتأمل فتدرك أن غدا كل شئ سيتغير. خاصة فيما يتعلق بعلاقاتك.

علاقتك بوالديك ستتحول من رؤيتهم كل يوم والاستمتاع بعطفهم إلى حياة أخرى لن ينفعك فيها سوى الدعاء منهم.

علاقتك بإخوتك .. أخوك الأكبر الذي كنت تخرج معه وتتسامر وإخوتك الأصغر الذين كنت لهم بمثابة موجه أحيانا لن تستطيع متابعتهم كما كنت. سيتربون في عالم لن تراه وسيشقون طريقهم بمعزل عنك وستتبدل شخصياتهم إلى نضج تشكله بيئة لم تعد أنت جزءا منها. ربما فهمت حينها بكاء الآباء والأمهات من فراق أولادهم حين الزواج.

علاقتك بأصدقاء عمرك ودراستك ستتحول من مودة اللقاء إلى بضع اتصالات يتناسب حدوثها عكسيا مع مرور الوقت (تذكر من ١٠ سنوات لم يكن هناك فيس بوك) ..

رواد المسجد الذين كانت تربطكم المودة .. عّم سعيد الذي – يحسبه الجاهل غنيا من التعفف – وكنت تلتمس منه الدعاء ربما تراه مرة كل عام أو عامين. وغيره من الناس الطيبين الراقين.

أساتذتك ومكان عملك السابق … إلخ .. كل ذلك سيتغير كأنك ولدت في عالم جديد.

عند باب المطار ستجعل كل تلك الأفكار القاسية وراء ظهرك وتفكر فيما ستفعله حتى تكون محصلة هذه التجربة الجديدة إيجابية.

هبطت الطائرة في مطار منيابوليس وجلست ساعة أو أكثر في مكتب جانبي يحققون معي ويفتحون اللابتوب لرؤية ما عليه والتأكد من أني لن أزعجهم أمنيا ربما 🙂

لم أكن أعرف أحدا في المدينة .. ذهبت إلى سكني – كانت الواحدة ظهرا – وكان سكني عبارة عن غرفة ضيقة في أحد المنازل – لا تصلح سوى للنوم – وكل شئ آخر مشترك من حمام ومكتب ومكان للأكل والطبخ مع أشخاص آخرين. حاولت أكلم أهلي أطمنهم لكن كان علي شراء أحد الكروت من مكان آخر ففعلت ذلك في اليوم التالي.

أذكر أني كنت شعلة من الحماس والسرور لرؤية بلاد وناس جديدة والتفكير في تلك الأحلام التي ينتظر تحقيقها ولم أفكر في آلام الغربة سوى في وقت متأخر مع نهاية الشهر الثالث.

ذهبت في اليوم التالي للجامعة .. كانت لم تبدأ الدراسة بعد والتقيت حينها بالمشرف لأول مرة. كنت قد راسلته قبلها لآخذ رأيه في الكورسات التي يجب علي أخذها حتى أعمل معه في النظم الدقيقة فأرسل لي قائمة مشابهة بالفعل لما قمت بتحضيره. أغبى شئ عملته هو أني قمت بالتسجيل فيها كلها (٣ كورسات ثقيلة) بالإضافة للدراسة الجانبية مع المشرف.

كانت الكورسات كلها بعيدة عما درسته سابقا وكلها من كورسات الدراسات العليا أو المراحل المتقدمة بشكل عام. ربما مشكلتي الرئيسية أني لم أجد من أستشيره ممن مر بتجربتي .. نعمة فعلا أغبط عليها طلاب كثيرين تتوافر لهم تلك الخدمات الآن وهي والله لا تقدر بمال.

ولعل هذا هو الغرض الرئيسي من تلك الحلقات فهي ليس حكاية شخص ولكني أختار مواقف بعينها فيها دروس – بين طيات أسلوب قصصي – أراها مهمة جدا للمقبلين على الطريق.

كيف اخترت موضوع الدراسة البحثية؟ كيف كانت خبرتي المريرة في الكورسات؟ وكيف اجتزتها؟ وكيف كانت بدايات الصدمة الحضارية بعد أول ٣ أشهر ومع بداية سقوط الثلج وانعزال الشمس من الأفق؟ أجيب عن ذلك لاحقا

أخيرا .. نسيت أن أذكر في المرة السابقة أني في أوراق التقديم حرصت أن أذكر التراكمي الخاص بآخر سنتين في الكلية بشكل مستقل بالإضافة لتراكمي سنوات الكلية الخمسة. لعل هذا يشفع لي ويظهر للجان القبول في الجامعات أن منحنى التغيير عبر سنوات الكلية في الاتجاه الإيجابي.

دروس مستفادة لإخواني الطلاب الجدد:
– حاول تبرز ما يميزك في السيرة الذاتية
– تأهل نفسيا قبل السفر وفكر في التغييرات قبل أن تصدمك
– حاول تحجز السكن بمساعدة أحد من الجامعة أو الاتحادات الطلابية بها حتى لا تصدم
– لا تأخذ حملا شاقا من الكورسات في البداية خصوصا لو في غير تخصصك وخذ رأي مشرفك دائما
– اسأل الطلاب السابقين قدر المستطاع عن خبراتهم وحاول تبني عليها
– تعلم آثار وأعراض الصدمة الحضارية حتى إذا شعرت بها لا تعتقد أنك مجنون
– الرجال يبكون ولا شئ في ذلك .. المهم العمل والاجتهاد .. فقد فات وقت الشكوى

الحلقة القادمة – لحظات التعلم الأولى

#لعلها_تفيد – الحلقة الأولى: عشرة أعوام مضت

في مثل هذا اليوم عام ٢٠٠٦ كنت أجهز حقيبة السفر فلم يتبق سوى ٣ أيام على رحلتي إلى جامعة مينيسوتا بالولايات المتحدة للعمل في الدكتوراة.

قبلها كنت في قمة التوهان. كنت أجتهد مع أحد زملائي لمعرفة متطلبات التقديم. امتحنت المطلوب وكتبت ما يسمى “personal statement” عندما أقرأها الآن أضحك من مستواها الردئ.

كنت عارف المجال الذي قررت العمل فيه. اشتغلت قبلها في رسالة الماجستير على تشخيص وتصنيف مرض توقف التنفس أثناء النوم باستخدام إحدى طرق تعلم الآلة “machine learning” وكان الهدف عمل جهاز يمكن للمريض استخدامه على سريره الطبيعي بدلا من أن يحتاج المبيت في معمل أمراض النوم. ربنا أكرمني بمشرف رائع (د. أحمد مرسي) كان رجع مصر من سنة تقريبا وربنا أكرمني بشخصيتين رائعتين: د. شهيرة لوزة التي كانت ترحب بي في عيادتها لأمراض النوم لأخذ ما أشاء من معلومات وسؤال ما أشاء، ود. هشام حامد في المعهد القومي للاتصالات حينها والذي تعلمت منه كثير من الأشياء في مجال الإلكترونيات. نشرت في الماجستير ٣ أوراق علمية في مؤتمرات خاصة بال IEEE وقبلها بعد البكالوريوس مباشرة واحدة في أول مؤتمر للهندسة الطبية ينظمه قسمنا في جامعة القاهرة.

أثناء البكالوريوس كان تقديري سئ أول سنتين وفي ثالث سنة وضعت هدف أني أحصد تقدير “ممتاز” فجبت تقدير “جيد جدا” وساعتها قررت أن يكون هدفي أن أحصد مستوى “الأول” على الدفعة لأَنِّي كنت عارف أني لو فشلت في هذا الهدف سأكون على الأقل حصدت تقدير “ممتاز” .. في تلك السنة كنت أقرأ وأترجم وألخص من المراجع مباشرة .. حصدت “الرابع” على الدفعة ذاك العام وطبعا تقدير “ممتاز” وذهبت لأقبل يد والدتي وأنا أبكي .. فهمت ساعتها أني لابد أن أضع هدف أعلى مما أريد تحقيقه وأن أعمل له حتى إذا تعثرت سأكون بلغت هدفي. في نهاية التخرج كنت “العاشر” على الدفعة بتقدير “جيد جدا”. ما أشد الندم الذي ينتابني وأنا أفكر في أول سنوات الكلية والاستهتار الذي كنت فيه. ثم أقول في نفسي “لعله خير” .. من حينها وأنا أنبه الطلاب على أهمية التقدير في الدراسة.

نرجع للماجستير .. أثناء الماجستير كنت أفكر في أن ربما الجهاز الذي أحاول عمله ليس هو المستقبل.. ربما علي التفكير في عمل أجهزة دقيقة يمكن غرسها في العضلة التي تراخيها يسبب غلق مجرى التنفس فيصاب المريض بتوقف التنفس وهو نائم. وكنت أفكر في أنه ربما المخ يستشعر من خلاياه قلة نسبة الأوكسجين في الدم ولو الجهاز موجود في المكان المناسب يمكنه قياس إشارة من المخ تدل على ذلك ومن ثم استحثاث إشارة لتحريك تلك العضلة. بسبب هذا التفكير عرفت أن علي العمل وتعلم النظم الكهروميكانيكية الميكرونية (MEMS) ولكن ليس هذا الوقت المناسب حيث علي إنهاء الماجستير وترك ذلك للدكتوراة. كان أكثر جامعة نفسي أعمل فيها هي جامعة ميشيجان ومع مجموعة بعينها هم رواد المجال.

عندما تقدمت بأوراقي – كانت مستواها مهزلة فعلا – قبلت في جامعة بكندا اسمها ماكجيل وجامعة مينيسوتا بدون دعم وجامعة نيويورك بدعم. بقية الجامعات اترفضت فيها. كنت مقدم على منحة فولبرايت وتم اختياري للمقابلة لكن هذا معناه انتظار عام كامل. ما كنت لأطيق الانتظار عاما كاملا .. ماذا سأفعل فيه؟!

كلمت الدكتور الذي أردت العمل معه في جامعة مينيسوتا .. كنت لا أصدق أني سيقبل أن أعمل معه لما عنده من براءات اختراع ونشرات ومشروعات .. طلبت منه الدعم فأخبرني أنه لن يستطيع وأنه مستعد لدعمي بعد عمل دراسة مصغرة معه. حينها أخبرت والدي أني يبدو سأنتظر عاما كاملا وقدر الله وما شاء فعل ربما منحة فولبرايت تأتي. لكن والدي حينها قال لي سافر ولا تحمل هما وحاول تتفوق مع المشرف بحيث يدعمني بعد أول ٤ أشهر.

توكلت على الله واستخرت وكنت معتبر أن على ظهري حمل وأمانة ثقيلة جدا .. ربنا وحده يعلم ..

بدأت في تحضير أوراق السفر وحجزت السكن أونلاين بنفسي فلم أكن أعرف أحدا ولم أكن أعلم أن هناك جمعيات في الجامعة يمكنها مساعدة الجدد.

هل يمكنني الحصول على عمل في الجامعة حتى ولو في المطعم أو أي نشاط تنظيمي؟ هل سأثبت جدارتي في مجال لم أتعلم أساسياته بعد؟ أليست هذه مخاطرة سأدافع ثمنها غال؟ ماذا ستكون نفقاتي الشهرية؟ .. إلخ

كل هذه وغيرها كانت أسئلة تدور في ذهني يوميا ومع كل موقف عصيب في بداية دراستي ومع كل معلومة لا أفهمها بسهولة وأجد أقراني يفهمونها بسرعة لأنها تسلسل طبيعي لدراستهم في البكالوريوس. كان ضغط شديد سيأتي ذكره فيما بعد إن شاء الله.

المهم باقي ٣ أيام على الطائرة .. فلنرم كل هم وراء ظهورنا ولنستعن بالله .. فكلما تذكرت قصص من قرأت عنهم ومعاناتهم هان علي الكثير. ولعل الله يريد بِنَا الخير.

التعامل مع بيئة وشعوب جديدة من أكبر التحديات التي ستواجهها وستتعلم منها ليس فقط عنهم هم ولكن عن نفسك أكثر. صدق ذلك أو لا تصدقه. ربما قبل هذه التجربة لم تعرف أنت الكثير عن نفسك ونقاط قوتك وضعفك. وهذا بلا شك ممتع جدا عندما تفكر فيه بعد ذلك وتتأمل في تغير طباعك ورؤيتك للأشياء.
والآن .. نزلت سيادتك من الطائرة وبدأت استقبال حياة جديدة وسط ناس ستتعرف عليهم لأول مرة. من أهم الأشياء التي لابد أن تعيرها انتباهك هو التعامل مع الناس بدون أن تعتبر ما كان يحدث في بيئتك مسلمات أو أنه هو الأصوب. حاول تفهم ظروف البيئة الجديدة وتعرف طباع تلك الشعوب دون سبق افتراض. سيسعفك في ذلك أيضا التعامل دوما بحرفية وحسن خلق خاصة مع زملائك ومشرفيك. سيجنبك ذلك أيضا العديد من المشاكل التي أنت في أمس الحاجة أن تبتعد عنها.
فيما يلي بعض صفات الشعوب – بشكل سطحي نوعا ما -وليس الغرض منها التعميم وإنما توضيح وتأكيد معنى التباين الذي قد لا تكون عايشته في بيئتك:
الأمريكان

عموما لطاف وترحابين في كلامهم .. لو وقعت عينك في عينه سيبتسم ويهز رأسه كأنه يحييك. أحيانا قد يستخدم ألفاظا قد تضايقك لكنه لا يقصد مسبتك وإنما هي كلمة أو كلمات تدرج على ألسنة بعضهم. أعطي لنفسك الفرصة ولا تتعجل الحكم. في غالب الأحيان ستجد معملاتهم محترفة وعملية جدا مهما بدا لك منهم الهزار والضحك.
الصينيون:

في طبيعة الحال إذا كانوا حديثي عهد بغربة مثلك ستجدهم في هدوء وسكينة أثناء العمل قد تشل منهم. سيمر عليك وربما تقع عينك في عينه فلا يسلم عليك ولا يصبح ولا يمسي. سيأتي صباحا على مكتبه أو مكان عمله فيعمل في صمت كالماكينة. قليل جدا منهم اجتماعيين خاصة في أول التعارف. 
اليابانيون:

لن تجدهم كثيرا سوى في جامعات القمة. هادئين في أغلبهم ولا يخالطون غيرهم كثيرا. عند التعامل معهم ستجدهم في الأغلب لطفاء وعمليين جدا. 
الهنود:

هؤلاء حبايبك 🙂 تقريبا هم الأقرب طباعا من الأسيويين لشعوب الشرق الأوسط. الإنجليزي عندهم ممتاز لكن النطق فيه لكنة عندهم لكنهم مقارنة بالأسيويين في القمة بالنسبة للغة. كذلك هم أكثر انفتاحا واجتماعيين في أغلبهم ومتنوعي الطبقات والطباع بحيث يصعب وضعهم في قالب موحد.
الأوروبيون:

كذلك قلة على حسب البلد والجامعة. الجماعة القادمين من أوروبا الشرقية ستجد عندهم في الأغلب نوع من القسوة والغلظة لكن هذه مجرد طبيعتهم ولعلهم الأعلى صوتا عند الضحك أحيانا. القريبين من البحر المتوسط ستشعر معهم أنهم أقرب لشعوبنا في النواحي السلبية. وبقية أوروبا -مثل الألمان والهولنديين – ستجد التعامل معهم مريحا في الأغلب وعملي جدا. 
الكوريون:

مزيج فريد بين الصينيين والهنود وربما الأوروبيون. هم أكثر الشعوب الشرق آسيوية انفتاحا على الأمريكان. سيصعب عليك التعامل معهم ربما في البداية لكنهم من أفضل الشعوب في الجمع بين حب العمل والفطنة.
كل ما شرحته الآن لك أشياء سطحية ستلاحظها في البداية وهي لا تعبر بالضرورة عن طباع هؤلاء في موطنهم الأصلي. فأنت مثلا لا تعبر عن بني جلدتك كذلك بالضرورة. 
لو انتقلت بين أكثر من جامعة أو مكان عمل ستجد في الأغلب أنه مع زيادة مستوى المكان يكون التعامل مع الناس واحترامهم أكثر سلاسة. وطباعهم أميل للعملية مع انفتاح أكثر في عقلياتهم.
 لتجعل تعاملك كذلك سلسا .. من أهم ما يجب تجنبه في التعامل مع الناس الفهلوة وسوء الظن ونظرية المؤامرة. فإذا كنت في مجموعة معظمها من صنف واحد ووجدتهم يجتمعون معا بدونك ويذهبون للمطعم معا فلا ينبغي أن تفهم أنهم مضطهدين لك. أنت نفسك قد تفعل مثلهم لو كنت مكانهم بدون أن تنظر للأقلية في مجموعتك.

بعد شهور وسنوات من العشرة ستكون فهمت كل شئ بعمق وعرفت طبائع أفراد وشعوب كثيرة ستجعلك أفضل في التعامل معها. لكن الأهم أنك ستكون صداقات منهم جميعا لم تكن تتخيلها. وفي الغالب ستجدهم عمليين أكثر من أي شئ آخر فلعل ذلك يزيد في قدرتك العملية ويجعلك أكثر تثمينا لوقتك.
خلاصة ما أريد قوله: حاول أن تكون كالكشافة وليكن عندك الفضول الكافي دون افتراض مسبق لتحاول فهم تلك الشعوب الجديدة وأن تفهم عن نفسك شخصيا الكثير وعن قدراتك ومرونتك. أَعْط لنفسك الفرصة ولا تعتقد أن تصرفات أو كلام أو ملامح الناس تعبر عن نفس المعاني التي تعرفها في بني جلدتك. تعامل بشكل عملي محترف وليس بشكل عاطفي أخرق في مواقفك معهم وسيساعدك ذلك على الوصول لهدفك بدون معوقات. 
الموضوع ليس سهلا بالتأكيد وأتمنى لو سمح الوقت أن أتحدث عن الذكاء العاطفي والاحترافية والعملية في التعامل في المرات القادمة .. فلدي ما أريد طرحه بهذا الصدد .. لكن مرحبا بالمقترحات لموضوعات أخرى والأسئلة.
وحتى يكون المقال لطيفا سأختم هنا بأمثلة في ذاكرتي من المواقف والطرائف التي سمعت عنها من أشخاص أو عايشتها وكان الحكم فيها ليس صحيحا 🙂

– زميلك أو زميلتك في الفصل أو المعمل لما يضحكوا معك ليس معنى ذلك أنهم واقعين في حبك وغرامك 🙂

– مشرفك عندما يمزح معك ليس معنى ذلك أن تنفتح معه على البحري وتروح تطلب منه أجازات عمال على بطال .. عندك شغل يا أستاذ!

– عندما يقابلك أحد بابتسامة في الشارع فهذا لا يعني أنه يعرفك أو أنه يريد الحديث معك .. 

– عندما ترى أحدهم – من شرق آسيا مثلا – ساكنا قليل الكلام فليس معنى هذا أنه يكرهك.

– إذا تحدثت مجموعة في العمل بلغتهم التي لا تفهمها فهذا لا يعني أنك محور الحديث وأنهم يتآمرون عليك.

– لو كنت تصلي في العمل وجاء أحدهم ليكلمك وظل يكلمك فهذا ليس معناه أنه متعمد أن يفسد عليك خلوتك .. هو لا يفهم سوى أنك تقوم الآن بالتريض 🙂

– لو ذهبت لزميلك أو مشرفك في المكتب وبلغك بتكشيره أنه ليس لديه وقت الآن فلا تأكل في نفسك وتحلم بالكوابيس أنه سيطردك من العمل 🙂

– لو لغتك أو لغة من تتحدث معه ضعيفة أرجوك لا تهز رأسك  وتعمل نفسك فاهم .. ليس ذلك في مصلحتك 🙂

– في أي مصادمات تعتقد أنك الطرف الأصوب فيها لا تستبعد احتمالية أنك المخطئ أو لم تستوعب ما حدث .. والاعتذار ليس عيبا عند اكتشاف ذلك 
نفس عميق! احمد ربنا على هذه التجربة ..  كله سهل بالتمرين والاستعانة والتفكير في المستقبل الأفضل .. التعلم نعمة 🙂

كطالب أو طالبة تغربت عن بلدك حتى تدرس وتحصل على درجة علمية وعلم مميز ممكن تتخيل أن قبولك في الجامعة وركوبك الطائرة كان أكبر تحدي صمدت أمام تحقيقه.

الحقيقة معظمنا في بداية تحقيق الحلم اعتقدنا ذلك. لكن الواقع هو أنك أدخلت نفسك في سلسلة من التحديات والعوائق الجديدة التي لم تخطر ببالك.

تماما مثل ألعاب الفيديو .. تخيل أنك تخطيت مرحلة حتى تدخل مرحلة أخرى. هل متوقع أنها تكون أسهل؟ غالبا لو كانت أسهل مما قبلها لازم تشك في نفسك 🙂 ربما اللعبة تخدعك حتى تختبر صمودك أمام السهل وتضع لك المغريات حتى إذا توغلت فيها تتفاجئ بالوحش أمامك في لحظات لم تكن أبدا تتوقعها 🙂 وأنت يا مسكين لم تتجهز لذلك.

تحديات كثيرة ستواجهك بداية من دراستك واختيار مشرفك والكورسات وغيرها وحتى البيئة المحيطة بك من أشخاص من بلدان مختلفة قد يصعب عليك الاختلاط بهم والتعايش معهم وتحمل نقدهم أحيانا .. إلخ.

وخلال أول عامين غالبا ما ستعتصرك آلام الغربة خاصة لو كنت شخص اجتماعي في بلدك وعندك أصدقاء وعائلة تحبهم بشدة.

ستأتي عليك مرحلة ربما تكلم فيها نفسك:
لماذا جئت هنا؟
ما هو هدفي؟
هل اخترت المجال الصح؟
وماذا سأفعل بعد ما تعلمت؟

وربما ينتابك البكاء والحزن وتمر بفترة لا تستطيع التركيز فيها في عملك ولا تستمتع بأي شئ.

أعتقد أن هذه أهم مرحلة يلزمك اجتيازها باستجماع كل ما لديك من قوة والتحضير لها وعدم الاستسلام. هذه ليست أصعب مرحلة لكنها الأكبر تحديا ولو تجاوزتها ستكون قد تعلمت اجتياز ما هو أصعب في المستقبل.

ستتعلم كيف تعامل غيرك من جنسيات مختلفة وتعمل معهم كفريق وتتحاور معهم بتلقائية وتكون صداقات ممتازة. وستتعلم كيف تركز مخك وجل تفكيرك على هدف تريد تحقيقه. وستتعلم كيف تساعد غيرك ممن في بداية الطريق.

هذا بالإضافة لإنتاجيتك التي ستزيد وهكذا.

أي شخص مر بتجربة السفر للدراسة أو تحصيل الرزق لابد وأن يكون فخورا ويحمد ربنا أن ألهمه الصبر والصحبة. السفر ليس بالضرورة معناه خارج بلدك لكن ممكن يكون خارج مدينتك. أنا شخصيا كنت دائما ما أنظر بإعجاب لزملائي في جامعة القاهرة القادمين من المدن المصرية المختلفة ويسكنون المدينة الجامعية.

وفي النهاية هدفك أمامك لا يسقط من بين عينيك!

استعن بالله ولا تعجز