Page 11 of 18

بعد ستة أعوام من العمل مع الباحثين الكوريين والأوروبيين والأمريكيين وغيرهم من الجنسيات غيرت وجهة نظري في أشياء كثيرة وزاد احترامي لهم ولكل مخلص جاد في عمله.
وتغيرت وجهة نظري فيما يعتقده كثير من أبناء بلدي .. كان بَعضُنَا قبل السفر يعتقد أننا كمصريين أذكياء وبأقل مجهود منظم يمكننا تحقيق الكثير. وأنه بالتالي مشكلتنا في قلة وانعدام التنظيم وأننا كأفراد لا مشاكل عندنا. تلك فلسفة يؤمن بها كثيرون ويشطح البعض غرورا معتقدا أن الطفل المصري مثلا أذكى من غيره وغيرها من المعتقدات المتخلفة التي لا أعرف حتى جدوى التفكير فيها. زادت شفقتي على أولئك الذين يظنون أنهم الأذكى عقولا – وينظرون لشعوب شرق آسيا مثلا على أنهم مجرد ماكينات شغل – وينتظرون الفرصة أن تأتيهم ولا يسعون لها كغيرهم.

الواقع الذي رأيته هو أن جغرافية الشعب لا تعبر سوى عن عاداته وتقاليده ومعتقدات روحانية فقط. وأننا جميعا بشر فينا التفاوت في القدرات وفينا المجتهدين الذين يعملون ليل نهار وفينا المكبرين أدمغتهم. فينا من يستوعب من مرة ومن يستوعب من عدة مرات. فينا المنظم والفوضوي والصالح والطالح.
كذلك كثير من الناس يخرجون من بلادهم محملين بأمراض ومزايا منبعها مجتمعاتهم التي نشؤوا فيها. أمراض ربما منها التعصب وقلة احترام المواعيد وحب الكلام كأنهم يعرفون كل شئ وأمراض تتعلق بالنظافة وسلوكيات الأكل وهكذا. لا أقول أن هذه صفات عامة في الأفراد لكن ستجد مؤشرات عامة. كذلك ستجد صفات ممتازة مثل التركيز في العمل وعدم الالتفات لأشياء أخرى وتنظيم الوقت وغيرها. فالمجتمع لا شك له أثر ولكن لا يجب تعميم أي شئ سلبي أو إيجابي من سلوكيات فرد لمجتمع.

المجتمع الذي ستغترب فيه كذلك له أثر. في حالتي ربنا رزقني بالالتحاق بجامعتين ممتازتين وكان المجتمع فيهما متميزا فتعلمت منه كثيرا. ومن هنا رسالة لمن سيقدم للدراسة في الخارج. حاول جهدك أن تلتحق بأفضل ٢٠ جامعة أو كلية في مجالك فالموضوع ليس فقط تعليم وبحث أفضل لكن المحيط حولك سيكون في عمومه أفضل ويمكنك فيه عمل صداقات متميزة.

كذلك من خبرتي مع الطلبة الهنود والشرق آسيويين والأمريكيين وجدت فرقا كبيرا في مستواهم بين الجامعتين اللتين التحقت بهما ولكن في كلتا الجامعتين كان الطلاب يطحنون أنفسهم بشدة. ومع هذا التفاوت في المستوى والقدرات فهمت معنى هام في أنه يجب أن تعمل بقوة وبجد بغض النظر عن ذكاءك وقدرتك على الاستيعاب فهذا الذكاء يجب أن يستغل في زيادة الإنتاجية ولا تعتمد عليه بأن تقلل جهدك.
كذلك الجامعات كلما زاد مستواها كلما زادوا من المشروعات ومتطلبات الكورسات. ربما لأنهم يعلمون أن خامة طلابهم يمكنها تحمل الكثير. شهدت ذلك بنفسي.

ففي منيسوتا أخذت كورس خاص بالدوائر الديجيتال الكثيفة وكان المشروع أن نعمل ذاكرة (SRAM) بحجم متوسط على تكنولوجيا ٣٢ نانومتر وكان بالنسبة لي صعب. وفي ميشيجان نفس الكورس كان محتواه أكبر ومشروعه مجنون. كان على الطلاب عمل شريحة بروسيسور كاملة!! يا إلهي على هذا الجهد في مجرد كورس .. لكن التعلم منه كفيل بأن تلتحق بوظيفة فقط لأنك أخذت هذا الكورس.
أذكر عندما كانت الشركات تأتي لتوظيف الطلاب في ميشيجان أني تحدثت مع إنتل وتكساس إنسترومنتس وغيرهم وكانوا يسألون بشكل واضح عن إذا ما كنت درست الكورس رقم كذا .. كانوا يذكرون رقم الكورس وليس اسمه من شهرته. والحقيقة أني كنت في غاية التعجب من القدر المبذول من أستاذ المادة ومن معهم من مدرسين مساعدين على مقدار الجهد المبذول وكنت أتسائل كيف عندهم وقت يعملوا فيه أبحاث!! لكن لما تحسبها في دماغك وتفهم أنه متفرغ ١٠٠٪‏ لهذه الوظيفة ويعمل ما يتجاوز ١٠ ساعات يوميا في تلك البيئة المشجعة من أول النظام العام وحتى قدرات الطلاب ذاتهم يكون كل شئ منطقي.

المهم .. صداقة هؤلاء الباحثين من الجنسيات والطباع المختلفة مهمة وستؤثر عليك. وتحديات التواصل معهم لهي جديرة بأن تحلها وتصبر عليها وتكون اجتماعيا معهم سواء بالأكل معهم في الجامعة – بادر أنت ولا تنتظر أن يدعوك هم – أو الحديث معهم في أحوالهم وأبحاثهم واعرض عليهم مساعدتك.

بعد أول فصل لي قمت بإخبار الطلاب معي في المعمل بأني سأفرغ ٦ ساعات أسبوعيا لأساعدهم في أبحاثهم. وكان لهذا التصرف وقع طيب على مشرفي والذي بسبب هذا الموقف وبعده مواقف أخرى مشابهة كان يمازحني دائما بمناداتي “ماي هيرو” 🙂

هم كذلك ساعدوني وسأذكر قصة أحدهم معي.
قصة في بدايات بحثي في منيسوتا .. تعين علي بناء نظام تجريبي على الفئران يمكننا من خلاله تمرير تيار كهربي داخل مخهم. وبدون الدخول في التفاصيل (ربما أفصل موضوع البحث في حلقة أخرى) كان علي بناء دائرة كهربية صغيرة الحجم وتتسع للمكونات المطلوبة. وكان عندي أسئلة كثيرة عن البرامج المتاحة التي سأستخدمها وأين سأصنع البورد وغيرها من الأسئلة. وساعدني أحد الباحثين القادمين لمعملنا من كوريا – كان في آخر شهرين قبل مناقشته للدكتوراة – ونشأت بيننا صداقة دامت حتى الآن .تعلمت كثيرا منه وكان شخصا يحب تعليم غيره ويصبر عليه. ولم أتعجب عندما علما منه أنه قرر الانتقال من العمل في البحث والتطوير بسامسونج إلى أن يكون أستاذا بأعلى جامعة في سنغافورة حاليا.

سأختم الحلقة متحدثا عن بحث هذا الصديق. كان يعمل على تصنيع ترانسيستور من نوع ( ISFET) الهدف منه استشعار ما يحدث من إشارة نتيجة الأيونات التي تنتج من ترابط شريطي الحمض النووي. ما يحدث هو أنه يوجد محلول تحدث فيه الارتباطات في الحمض النووي (DNA Sequencing) ولهذا المحلول درجة حمضية (pH) محددة .. عند حدوث ارتباطات في الشريط المزدوج للحمض النووي يصدر من التفاعل أيونات (أيون هيدروجين موجب) يغير بالتالي من درجة حمضية المحلول. وهذا تحديدا ما يقيسه الترانسيستور. فالمحلول يتم وضعه مكان البوابة الطبيعية للترانسيستور المعروف وتغير حمضية المحلول وتكون الأيونات فيه يؤدي إلى تغير في التيار المار في الترانسيستور. عبقرية هذا الحل أنك يمكنك وضع مصفوفات من هذا الترانسيستور تماما مثل البيكسلز في الكاميرا وبالتالي يمكنك قراءة واستشعار كم ضخم مما يحدث في الحمض النووي.
الاختصار يوضح ما يعمله هذا الترانسيستور الخاص
Ion Sensitive Field Effect Transistor
وللترانسيستور تطبيقات أخرى متعلقة بنفس نظرية عمله.

تعرفت من خلال مناقشاتي الكثير عن هذا الجهاز الدقيق وكانت شركة سامسونج هي من تساعد وترعى تصنيع تلك الأجهزة لصديقي. كان لهذا الخبر تأثيرا كبيرا علي وعلى رؤيتي لانحطاط الصناعة في البلد التي أتيت منها. خاصة عندما سألني: ما الصناعات الموجودة في مصر؟ كدت أبكي حسرة من هذا السؤال ومن إجابتي له.

أرجو من الله أن يكون الجيل الحالي عونا للأجيال القادمة على التحرر والبناء والقضاء على من شلونا وسببوا تخلفنا عبر عقود مضت وربما أخرى قادمة.

مصادر:
١) عن الإيسفت
https://en.m.wikipedia.org/wiki/ISFET

إضافة: شاهدوا هذا المقطع لعله يحمس كثيرين:
https://youtu.be/LRFtczZRwoI

#لعلها_تفيد – الحلقة الخامسة: رفاق العمل ورسالة الماجستير

في البداية أود أن أذكر للفائدة أنه لا يوجد أسوار للكليات – على الأقل ما رأيته في الخارج – كما هو الحال في بعض دول العالم الثالث. يمكنك دخول أغلب المباني الجامعية ببطاقة الكلية.

عندما انضممت للمجموعة البحثية في جامعة منيسوتا كانت عبارة عن الأستاذ واثنان من الباحثين ما بعد الدكتوراة و٦ طلاب منهم أربعة كوريين وواحد هندي وواحد مصري (العبد لله)
التواصل مع الأستاذ والطالب الهندي كان سلسا لكن الجماعة الكوريين الجدد كان التواصل معهم شئ في منتهى الصعوبة ولغتهم الإنجليزية لا تسعف على الفهم. وسبب هذا لي مشكلة كبيرة مع كبير الطلاب آنذاك ولم أكن أريد أن أظهر بشكل سئ أمام مشرفي فاعتذرت للطالب وأرسلت له حينها رسالة مفادها أنه ربما مع الوقت تنمو صداقتنا ونتفاهم بشكل أفضل. وبالفعل حتى الآن هذا صديقي الأقرب في المجموعة ويعمل معي في نفس الشركة الآن وقد ساعدته – بحمد الله – عندما قدم للعمل في الشركة وكتبت له توصية ممتازة.
عاطفتنا كبشر تأبى أحيانا أن نعتذر إلا إذا اقتنعنا بكوننا مخطئين ولكن أحيانا بسبب سوء التواصل تحدث مشاكل لا يمكن الجزم فيها بموقع الخطأ والأفضل أن تقوم بفعل ما من شأنه تحريك العجلة والمياه الراكدة من جديد وتنحي العواطف السلبية جانبا. التغافل عن خطأ الغير والاعتذار أحيانا يمكن اعتمادهم من ضمن الوسائل الجيدة في استمرار العمل طالما ما نعمله له قيمة تستحق.
كذلك أود أن أنوه أن التواصل تحدياته أكبر من مجرد اللغة ولكن ذلك يشمل أشياء أخرى مثل التمازح (لن تفهم مزاحهم ربما في البداية) والغضب وغيره من المشاعر. فكل شعب يعبر بشكل مختلف نوعا ما. فلا تتعجل الحكم واعذر غيرك حين لا يفهمك.

كذلك في أي فريق عمل تقابلنا كثيرا مواقف نتصرف فيها بشكل عاطفي سلبي وأحمق أحيانا ولكن العقل والتروي يقول لك أن هذا العمل نبيل ومن شأنه نفعك وغيرك، فتعامل بحرفية ونحي العاطفة جانبا. فحتى وإن لم تحب عضو في فريق العمل هذا ليس معناه أن تتصابى ويكون رد فعلك كالأطفال “مش لاعب” 🙂
تذكر .. الحرفية والجلد في العمل من أسس نجاح عملك كفرد أو في فريق.
وَمِمَّا يسعف في المواقف الحرجة وتجاوز الضغوط أحيانا هو التفكير في قاعدة الخمس سنوات. اسأل نفسك: هل سيحدث هذا الموقف معي أثرا بعد سنة؟ سنتين؟ خمس سنوات؟ والإجابة عادة تكون “لا”. إذن لا تخاف من فعل ما هو صحيح حتى لو سبب لك حرج مؤقت. مع الأسف البعض تنقح عليه أوهام “الكرامة” الزائفة ويسارع بالتصرف الأحمق فيخسر كثيرا من أجل أوهام نفسية.

بعد التحاقي بالفريق بحوالي أسبوع طلب مني المشرف أن أقوم بعرض ما قمت به في مرحلة الماجستير. وشرحت في أول لقاء جوانب من عملي في رسالة الماجستير ومسببات وأعراض أمراض النوم وكيف استخدمت المنطق المبهم لاستكشاف المرض وتصنيفه. ما أسعدني هو أن المشرف والطلاب تعجبوا من أني قمت بهذا العمل بشكل كامل وأنه ليس عمل مشترك ما بين أكثر من طالب ماجستير. سعدت بهذا التعليق لأَنِّي أذكر أن أساتذة اللجنة عند مناقشة الماجستير في جامعة القاهرة كان لديهم نفس التعليق.

سأختم للفائدة حديثي هنا بذكر تفاصيل عن الماجستير. كان الموضوع متعلق باستكشاف أمراض النوم وتحديدا توقف التنفس أثناء النوم. معظمنا أكيد رأى شخصا يشخر أثناء نومه. كيف يحدث صوت الشخير؟ في الغالب مجرى التنفس يضيق قليلا ليكون مثل الصفارة فإذا مر فيه الهواء أصدر تلك السيمفونية المزعجة 🙂
بعض الناس – وعددهم كبير وقد لا يعرفون – تتراخى عندهم عضلة مسؤولة عن فتح مسار التنفس لدرجة أن المسار نفسه يغلق. في هذا الحالة يتوقف سريان الهواء إلى الرئة ويقل الأكسجين في الدم وينتبه المخ فيوقظ الشخص.
معنى ذلك أن الشخص أثناء النوم ممكن يتعرض لحلقات زمنية ربما تتجاوز ١٠ ثوان لكل ساعة نوم يتوقف فيها التنفس ويستيقظ لا إراديا لشهق بعض الهواء.
تخيل أنك أردت النوم ٦ ساعات متواصلة وأني أيقظتك مرة كل ساعة فهل جودة نومك كمن نامها متواصلة؟ بالطبع لا.
تجد أولئك الأشخاص كثيروا الصداع وقد ينام وهو في العمل أو ربما الأخطر أثناء قيادة السيارة وأكثر عرضة من غيره لأمراض القلب وغيرها.
للأسف كثيرون لا يعلمون أن عندهم هذا المرض. ومن يعرف عليه الذهاب لما يسمى معمل النوم ويبيت فيه بضع ليال ويتم قياس إشاراته الحيوية (حوالي ١٢ إشارة أو أكثر وتشمل المخ والقلب والتنفس والعضلات .. الخ) من خلال أجهزة متشعبة الأسلاك ناهيك عن التكلفة الكبيرة لهذه المعامل المتخصصة. كل تلك الإشارات تدخل على الكمبيوتر ويتم استخدامها لاستكشاف المرض وعدد النوبات التي حدثت للشخص من خلال برامج متخصصة غالية الثمن.
كان البحث يدور حول كيفية استكشاف المرض باستخدام جهاز بسيط يمكن للمريض استخدامه في منزله ويسجل ٣ إشارات فقط وليس كلها وبالتالي تقلل عدد الأسلاك ويسهل الاستخدام. كما يجب تطوير خوارزميات يمكنها استخدام تلك الإشارات الثلاثة لاستكشاف وتصنيف المرض.
بدأت حينها بعمل الخوارزميات باستخدام المنطق المبهم وكانت د. شهيرة لوزة تمدني بإشارات من تم دراستهم في معملها لكي اختبر مدى دقة ما طورته مقارنة بالسوفتوير الذي تستخدمه. وفي نهاية السنة الأولى تم – بتوفيق الله – تطوير خوارزم يستخدم فقط ٣ إشارات ويصل لنتائج أدق ويستكشف نوبات لم يستكشفها السوفتوير المستخدم.
ثم عكفت على تعلم بعض الأشياء التي تتعلق بكيفية تطوير الهاردوير المطلوب وكان د. هشام حامد يساعدني فيه وله فضل كبير في تعلمي لكثير من الأشياء في هذا المجال. لم أكمل عمل الهاردوير لكن ناقشت تصميمه وجدواه. كان علي التوقف لتجهيز أوراق سفري لمنيسوتا ومشرفي تفهم ذلك وقرر أن هذا العمل يكفي لمتطلبات الماجستير.
الحقيقة أن ربنا أكرمني بمشرف متميز – د. أحمد مرسي – كنّا نتناقش تقريبا بشكل أسبوعي وهو من عرفني بالدكاترة السابق ذكرهم. وكان نعم العون ونعم المفجر للأفكار 🙂
أذكر مفهوما لطيفا تعلمته منه، وهو أننا في بداية مشوارنا البحثي كمن معه كشاف ضوء وأمامه طريق متعرج لا يرى منه إلا بقدر ما يصل الضوء. علينا أن نسير بخطوات ثابتة نحو منتهى الضوء ثم نقرر بناءا على ما نراه هناك. وكلما زادت بصيرتنا وخبرتنا زاد منتهى الضوء واستطعنا رؤية المزيد والمشي نحوه بثقة أكبر.

فاللهم بارك لوالديّ ولكل من علمني ووجهني
والحمد لله رب العالمين

#لعلها_تفيد – الحلقة الرابعة: بدايات المعيشة

إذا كنت شخصا اجتماعيا فأنت بالطبع تدرك أهمية الصحبة وخاصة أولئك الذين حفروا مكانا في قلبك .. فحتى وإن باعدت بينكم الأماكن وقل السؤال ستجدهم الأقرب لك وقت الشدة وأنت كذلك.

من مميزات السفر أنك ستصنع المزيد من هؤلاء لكن ما يزيدهم في السفر قربا أنهم في نفس موقعك ويشاركونك الطموح والعمل. حاول أن تخرج من تجربة السفر بحفنة من الرجال المخلصين الراقين .. فهذا مكسب كبير.

المعيشة والصحبة مرتبطين بشدة، وسأركز هنا على المعيشة بمعناها الأعم. والآن إليك بعض ما ستحتاج معرفته بالنسبة للمعيشة:

أولا عليك دراسة سبل المواصلات في المكان الجديد حتى لا تقع في خطئي أول صلاة جمعة. كان المسجد بعيدا – اكتشفت لاحقا أن هناك مسجد آخر أقرب لي – ومن جهلي بالمواصلات اضطررت للمشي قرابة ساعتين حتى أصل للمسجد. أذكر أنني لم ألحق الصلاة بسبب ذلك.
المواصلات في أي مدينة جامعية في العادة يكون للطالب فيها مزايا. فشبكة الأتوبيسات حينها كانت باشتراك كل فصل ومخفضة للطلبة. في ميشيجان كانت كل الأوتوبيسات مجانية. كما أن الاوتوبيسات المتنقلة بين أطراف الجامعة مجانية.
من الضروري أن تحاول اقتناء خريطة للمدينة وبالذات تلك الموضحة لخطوط ومواعيد الأتوبيسات. أظن في وقتنا الحالي يوجد تطبيقات للهاتف بها كل تلك الخرائط ويمكنك تتبع أقرب أتوبيس.

بعد أول صلاة جمعة كان في مقابل المسجد محل يدعى “الأرض المقدسة” .. لا تتخيل فرحة مغترب جديد برؤية البقالات التي بها ما تفتقده من أكل وشرب وبضاعة .. تتسوق وكلما وقعت عينك على أحد تجد “السلام عليكم” لها لذة لم تشعر بها في بلدك. بالمناسبة يوجد موقع اسمه “ذبيحة” (مصادر) ويمكنك من خلاله استكشاف أقرب تلك البقالات والمطاعم كذلك.

كان علي المشي ساعتين للرجوع فاشتريت ما تيسر لي حمله. طبعا تعلمت بعدها سبل المواصلات وربنا أكرمني بأصدقاء معهم سيارة وعرضوا علي أن أذهب معهم في وقت التسوق فيما بعد. هذه الجمايل ربما تراها صغيرة لكنها في عين الجديد كبيرة وما زلت أحملها لهم حتى الآن.

كنت أحيانا كذلك آخذ مع صديق لي الأتوبيس للسوبرماركت للتبضع وكان فعلا بدون سيارة الأمر شاق خاصة في درجات حرارة ٢٥ تحت الصفر وما تحتها. الأمر الآن أسهل لأنه يمكنك تحميل تطبيق على الهاتف واستخدام خدمة جديدة من أمازون (prime now) أو غيرها من خدمات التوصيل التي لم تكن متاحة آنذاك.

لم أمتلك سيارة في أول عام ونصف لي ولكن عند شرائي للسيارة قررت بعدها أن أي طالب جديد سيأتي سأستقبله في المطار وقبل السكن لابد من أن أعزمه على أكله عربية وأتسوق معه إن شاء.

عندما تنوي شراء سيارة حاول تعثر على طالب انتهى من دراسته وقرر المغادرة. أو ممكن تستخدم موقع كريجزليست (مصادر). أنا شخصيا كنت جرئ حبتين واستخدمت موقع إيباي (مصادر) واشتريت السيارة في مزاد بسعر ١٥٠٠ دولار. حالتها طبعا في الضياع لكنها تسير على أربع 🙂
جدير بالذكر هنا أنك إذا كنت في المكان يسقط فيه الثلج فاحذر أن تشتري سيارة من ذوات الدفع الخلفي. اشتر دفع أمامي أو رباعي فقط. طبعا من جهلي اشتريت سيارة دفع خلفي وكنت على وشك عمل حادثتين. ولكن الله سلم.

بالنسبة للأكل ستكون التونة صديقك الصدوق ولعل نتائج تحاليل الدم بعد ٣ أشهر يظهر فيها أسماك تونة صغيرة 🙂 لكن أنصح بشكل عام البعد عن التونة قدر المستطاع لما فيها من المخاطر نتيجة للتلوث. ممكن تعيش على البقوليات ومنتجات الألبان وحاول تطبخ مرة كل نهاية أسبوع وتخزن الأكل وعليك بصديقك المايكروويف.

بالنسبة للعفش أو الأثاث فموقع كريجزليست سيساعدك وفيه حاجات مستعملة لقطة. حاول كذلك تترقب إعلانات ما يسمى بتخفيضات الجراج “Garage sale” لأن عائلات كثير تغادر مكانها وتقوم ببيع أثاثها بسعر رخيص جدا وأحيان مجانا. يمكنك في أي نهاية أسبوع استئجار سيارة نقل (من شركة يوهول U-haul مثلا) وتمر على من يريد بيع أثاثه وتختار وتحمل على السيارة ومع نهاية اليوم يمكنك فرش غرفتك بالكامل من أول المرتبة وحتى المايكروويف.

لن تحتاج مكتب لأن معظم وقتك ستقضيه في مكتبك بالجامعة أو المكتبة. سترى كثير من الطلاب كذلك يذاكرون على المقاهي مثل ستاربكس وغيره.

طبعا البعض سينتقل إلى مدن تتساقط فيها الثلوج وينبغي عليه الاستعداد لذلك .. في منيسوتا كانت أحيانا تصل الحرارة إلى ٤٠ تحت الصفر. لو نسيت طعام في سيارتك سترجع لتجده متجمد. سيكون عليك التحضير جيدا وستعتمد على معطف يمكنه تدفئتك جيدا. في حدود نوفمبر يكون هناك موسم تخفيض ضخم في أمريكا ويمكنك شراء معطف بمبلغ ٢٠٠ دولار كان ممكن تشتريه بمبلغ ٥٠٠ دولار في غير الموسم. فحاول تعرف مواسم التسوق جيدا خاصة عند شراء الأشياء الغالية.

طبعا لا أحتاج أن أقول لك أن حركتك ستقل في الشتاء القارس وستأكل كثيرا فستكون النتيجة كائن آخر يسكن بداخلك يسمى الكرش العظيم. حاول تتريض وتعمل مجهود قبل الكارثة.

في جزء البقالة ومشتريات الأكل والشرب يوجد تخفيضات وعروض مميزة وكوبونات يمكنك بسببها توفير الكثير من المال. ستفاجئ بشئ قد اشتريته أمس بدولار فأصبح بنصف دولار والعكس. السوق الأمريكي في غالبيته متغير السعر كل يوم حتى أسعار البنزين (اسمه جاز هنا) تتغير يوميا ومن محطة لأخرى.

<السكن في المسجد>
بعد ما سكنت في الغرفة الأولى أربعة أشهر كانت حالتي النفسية سيئة وتعرفت في البداية على ٣ شباب رائعين مكافحين – ما زلنا نتواصل حتى الآن من حين لآخر – وارتبطنا ببعض بشكل كبير. وكان اثنين منهم أقرباء يسكنون معا في غرفة داخل منزل له قصة ومعزة خاصة عندي. المنزل يملكه أحد المصريين القدامى في المدينة وقد جعل نصفه مسجد ويحتوى معظم الطابق الأول وبقية غرف المنزل كان يؤجرها بسعر رخيص للطلاب المسلمين. الحقيقة أني كنت أتمنى لو أن أحد تلك الغرف يتاح للسكن ولكن سبقني لها كثيرون.
في الفصل الدراسي الثاني قرر أحد صديقاي المغادرة وسألته إن كان يمكنني استئجار نصف الغرفة بدلا منه. وقد كان.
وكانت من نعم الله علي أن أسكن في هذا المنزل وبجانبي (في الغرفة المجاورة) المسجد. كنت في أي وقت أشعر بالضيق أجلس فيه وأحيانا أذاكر ويغلبني النوم هناك. كانت غرفتنا متواضعة وبها مرتبة (وليس سريرا) لكل واحد منا تم وضعها على الأرض مباشرة.

الآن وبعد ١٠ سنوات كلما شغلتك الحياة بعجلتها وساقيتها تتذكر تلك الحياة البسيطة ولحظات السعادة التي كنت تشعر بها من أبسط المواقف والنعم. عندها تدرك أن الشقاء الحقيقي هو أخذ النعم وكأنها مسلمات.

سأختم هذه الحلقة بحديث مختصر عن المسلمين في منيسوتا. ستفاجئ إذا قلت لك أن هناك جالية صومالية ضخمة لدرجة أن لهم مساجد يخطبون فيها باللغة السواحيلية. المساجد كانت ملتقى لنا لنتعارف ونشد أزر بَعضنا البعض.
كان هناك شيخ من مصر يحفظ الشباب القرآن ومعه إجازة وكان من أسعد أيامي وأنا أحضر زيارة الشيخ المعصراوي – شيخ عموم المقارئ المصرية – لنا وكان يتلو عليه بعض المسلمين من غير العرب القرآن في احتفال جميل.

شهر رمضان كنّا – مجموعة الطلاب – نفطر في المسجد سويا حيث ينظم المسجد إفطار يومي وأحيانا كنّا نفطر في الجامعة مع اتحاد الطلاب المسلمين.

المسلمين في الغربة من أجمل المجتمعات التي تنخرط فيها .. ما حلاوة تلك التعددية في اللون واللغة وكلنا نصلي لله رب العالمين. وما حلاوة هؤلاء الذين لا يتقنون العربية ويحاولون بكل جهد نطق آيات الله فإذا قرأت معهم بكوا قائلين “هذا لسان عربي مبين” ويتمنون لو كانوا يتقنون لغة القرآن.

للمسجد والمجتمع المسلم حكايات كثيرة سيأتي ذكرها في وقتها خاصة في ميشيجان وكاليفورنيا.

مصادر:
١) موقع كريجزليست
سينفعك عند شراء السيارة والعفش المستعمل
craigslist.org
٢) موقع إيباي
يمكنك تحصيل أسعار ممتازة للإلكترونيات وغيرها بالسعر المباشر أو المزاد
http://ebay.com/
٣) موقع ذبيحة
مصدر جيد لبعض محلات التسوق والمطاعم
https://www.zabihah.com

#لعلها_تفيد – الحلقة الثالثة: لحظات التعلم الأولى

عادة قبل بداية الدراسة يكون هناك ندوات توجيهية لمعرفة أهم ما تريد الجامعة منك معرفته. وهذه الندوات في غاية الأهمية فحاول قصارى جهدك حضورها بنفسك.
الندوة الأولى كانت للطلاب القادمين من الخارج وركز جانب من المحاضرة على مصطلح مهم عن الغش العلمي وهو “plagiarism” وفي ذلك الحين لم أكن أعرف المصطلح ولكن فوجئت بجدية المتحدث وقال من خبرته أن الطلاب القادمين من عدة دول لا يلقوا لذلك بالا ولكنه سبب مشاكل كثيرة في الأبحاث ويمكن فصل الطلاب بسببه.
الندوة الثانية كانت تتحدث عن الصدمة الحضارية ومراحلها الأربعة المعروفة. ما أذهلني هو طبيعة المحاضرة والدقة العلمية في تحليل المنحنى الزمني الخاص بمراحل الألم والتأقلم مع المعيشة الجديدة. عرضوا حينها فيديوهات لطلبة وهم في بداية انضمامهم ثم حين حدوث الصدمة ثم بعد زوالها. شئ مذهل.
المنحنى كان يظهر أن قمة الصدمة تكون في حدود الشهر الثالث. وبالرغم من أني في لقاء مع المحاضر ذكرت له أني لا أشعر بأي غربة والحياة هنا سلسة وخلاف ذلك إلا أنه قال لي ما معناه “كلهم يقولون ذلك في البداية”.
بالفعل في الشهر الثالث بدأت أشعر بكل شئ يتراكم فوق صدري لكن إضافة لألم الغربة والصدمة الحضارية كان عندي آلام أخرى شديدة أحدها كثر التفكير في مصيري إذا لم يقم المشرف بدعمي وأحدها خاص بالكورسات التي مع سهري على مذاكرتها وقلة نومي إلا أني كنت مرعوب لأن بعض زملائي في الفصول كان يظهر لي أن ما نأخذه شئ غير جديد لهم مع سرعة استيعابهم لأي جديد. فكنت أخشى من التقدير النهائي وعواقب أني غيرت تخصصي للهندسة الكهربية.

عشت هذا الرعب أربعة أشهر كاملة هي ربما الأكثر قسوة في حياتي حتى الآن ومع ذلك لم أشارك مخاوفي مطلقا ولم أشك لبشر منها. وكان لسان حالي كما قال أحدهم:
بعثرتني ذات حـــــــــــــــزنٍ .. لوعةٌ عاثت بجــفني
ألهبت صبري وزادت .. من همومـــي فوق همي
كل شيءٍ بات يشكـــــــــــو .. من هُزالي غير أني
قاصرٌ عن وقف دمعي .. تائهٌ عن وصف حالي
إنني وحـــــــــــــــــدي إلهي .. فلتكن أرجوك قربي
متعــــــــبٌ يا ربي فأرحم .. حالتي ولترضى عني
كي تعود الروح تســـــــلو .. وليُروى زهر سعدي
إن تكـــــــــن راض فحسبي .. أن ربي قد رعاني

مع قسوة تلك الأشهر إلا التذلل لرب العباد دون العباد كان أمتع ما فيها. لعلك تسأل لماذا أذكرها الآن؟

حتى يعلم الطالب الجديد أنه سيأتي وقت يعتصر قلبك فيه الهم والغم .. في ذلك الحين حاول أن تتماسك بكل ذرة قوة وإيمان وتذكر هدفك ودع عنك كل ما ليس لك به تحكم.. فليكن الدعاء والخلوة والعمل حلفائك .. وربنا سيكرمك بدون ذرة شك .. ومن رزق واسع كتبه لك لكن أنى لك أن تعرفه. ورسالة لأصدقائك وأهلك ليعلموا أن كل مغترب للرزق هو أضعف مما قد يبدو عليه وعلى الجميع دعمه ولو بالكلمة الطيبة.

نرجع لكورسات الفصل الدراسي الأول وهذا الجزء موجه لمن سيعمل في تصميم الدوائر والنظم الدقيقة.
الكورس الأول كان عن تصميم الدوائر الأنالوج المدمجة وكان من يدرسه دكتور هندي – عزيز علي وصديق حتى الآن – اسمه راميش هارجاني. شخصية رائعة مع أن متوسط الدرجات عنده حينها كان ٣٠٪�!! يعني تجد من يحصل على ٥٠٪� هو أحسن طالب في الفصل 🙂 حاجة تعقد. الكورس كان مثل ساندويتش الديناميت .. دسم جدا لدرجة أن في نهاية الكورس أخذنا محولات الأنالوج لديجيتال.
صداقتي بدكتور هارجاني نمت بسبب أني كنت لا أفوت أي ساعة مكتبية له. حتى لو لا يوجد عندي سؤال كنت أستمع لأسئلة غيري محاولا الاستفادة قدر الإمكان. وساعتها عرفت مقدار القصور الذي عندي وحزنت بشدة لكني اجتهدت قدر الإمكان في القراءة وعمل الواجبات.

الكورس الثاني كان متعلق بالصناعات الدقيقة ودرست فيه الطرق الحديثة والمعادلات الحاكمة لتصنيع الترانسيستور والشرائح الدقيقة. والكورس الثالث عن تصميم الدوائر المدمجة الكثيفة (ديجيتال)

كنت ذكرت أن من الغباء أني أخذت ٣ كورسات فعلا صعبة لكن الاختيار نفسه من حلاوة الكورسات والاستفادة العظيمة منها فعلا محير. الكورسات في الجامعات الأمريكية عموما كنز ثمين .. كنت أسمع أنهم بمجهود كورسات سنتين يحصلون على الماجستير فأسخر منهم .. أما ما رأيت وعاينت اختلفت وجهة نظري تماما لأن بالفعل المجهود المبذول فيها لا يقل أبدا عن الماجستير البحثي.

بالإضافة للكورسات كان علي عمل دراسة بحثية مع المشرف. عرض علي عدة موضوعات معظمها كان شيقا لكن أحدهم لفت نظري وكان متعلقا بعمل نظم ميكرونية غزيرة كل منها بحجم حبة الملح يمكننا غرسها داخل المخ لتسجل إشارات الخلايا العصبية وترسلها لمحطة مركزية داخل المخ ومنها إلى الكمبيوتر بشكل لا سلكي. وكان هذا المشروع جديدا وليس به معلومات مطلقا ولم يعمل على فكرته أحد. لم أتردد كثيرا واخترت هذا المشروع وتفاجئ حينها المشرف من الاختيار لصعوبة المشروع مقارنة بالآخرين. في الواقع كان اختياري متوافقا مع ما كنت أرغب في عمله ومع الكورسات التي قررت تعلمها ولم ألتفت كثيرا لكون المطلوب في المشروع أشبه بالخيال العلمي. سأتحدث لاحقا عن المشروع – والذي استمتعت به جدا – في الوقت المناسب.

كذلك باءت محاولاتي في البحث عن وظيفة بالفشل خاصة أنه غير مصرح لطلاب فيزا F1 بالعمل سوى في نطاق الجامعة. كل الوظائف في المطعم والأنشطة الطلابية وغيرها كانت ممتلئة.
الضغط وصل لذروته والرعب من شبح الفشل يطاردني من كل اتجاه .. غربة .. دراسة صعبة .. كورسات تحتاج مجهودا خرافيا من غير المتخصصين مثلي.

لكن سأختم ببشرى 🙂
من فضل الله حققت تقدما في الدراسة البحثية واستطعت مع مشرفي تقديم مقترح بحثي لمركز الهندسة العصبية في الجامعة وتم اختياري لمنحتهم … حينها تغيرت الدنيا في نظري وصرت أكثر ثقة في نفسي وعملي. والحمد لله رب العالمين.

أما الكورسات فمع الأسف قصرت في أحدها وكان تراكمي الفصل الأول “A-” ومنذ ذلك الفصل القاسي توالت النعم والابتلاءات لكني لم أقل عن “A” بعد ذلك. وأصبح لي مرتب أستطيع أن أعيش به بشكل متواضع يعرفه كل من درس قبل ذلك 🙂

ما يهم الطالب هنا أن عمله في بحثه مع مشرفه أهم من الكورسات وتقديرها بكثير. لكن تقدير الكورسات يكون في أغلب ما ستتقدم له من وظائف بعد ذلك عاملا مساعدا. فحاول أن توازن وتختار أولوياتك جيدا.

إن مع العسر يسرا
ما زال لنا حكايات عن العسر واليسر في حلقات قادمة .. فحياة طالب العلم ليست وردية وليس للنجاح أو الفشل منتهى عنده نزعم أننا نجحنا أو فشلنا. إنما هي تراكمات تنتهي بموتك ومنها ما يبقى لما بعده.

مصادر:
١) الغش وأخلاقيات البحث: شاهد هذه المحاضرة

٢) معلومات عن الصدمة الحضارية
https://en.m.wikipedia.org/wiki/Culture_shock

#لعلها_تفيد – الحلقة الثانية: كل شئ سيتغير
<الخلاصة في آخر الحلقة>

في مثل هذا اليوم عام ٢٠٠٦ كان تبقى يوم واحد على تلك الرحلة التي لا وصف لها سوى أن طموحك قد أوصلك لها وصارت واقعا. من أكثر اللحظات القاسية هي عندما تفكر قبل السفر بيوم وتتأمل فتدرك أن غدا كل شئ سيتغير. خاصة فيما يتعلق بعلاقاتك.

علاقتك بوالديك ستتحول من رؤيتهم كل يوم والاستمتاع بعطفهم إلى حياة أخرى لن ينفعك فيها سوى الدعاء منهم.

علاقتك بإخوتك .. أخوك الأكبر الذي كنت تخرج معه وتتسامر وإخوتك الأصغر الذين كنت لهم بمثابة موجه أحيانا لن تستطيع متابعتهم كما كنت. سيتربون في عالم لن تراه وسيشقون طريقهم بمعزل عنك وستتبدل شخصياتهم إلى نضج تشكله بيئة لم تعد أنت جزءا منها. ربما فهمت حينها بكاء الآباء والأمهات من فراق أولادهم حين الزواج.

علاقتك بأصدقاء عمرك ودراستك ستتحول من مودة اللقاء إلى بضع اتصالات يتناسب حدوثها عكسيا مع مرور الوقت (تذكر من ١٠ سنوات لم يكن هناك فيس بوك) ..

رواد المسجد الذين كانت تربطكم المودة .. عّم سعيد الذي – يحسبه الجاهل غنيا من التعفف – وكنت تلتمس منه الدعاء ربما تراه مرة كل عام أو عامين. وغيره من الناس الطيبين الراقين.

أساتذتك ومكان عملك السابق … إلخ .. كل ذلك سيتغير كأنك ولدت في عالم جديد.

عند باب المطار ستجعل كل تلك الأفكار القاسية وراء ظهرك وتفكر فيما ستفعله حتى تكون محصلة هذه التجربة الجديدة إيجابية.

هبطت الطائرة في مطار منيابوليس وجلست ساعة أو أكثر في مكتب جانبي يحققون معي ويفتحون اللابتوب لرؤية ما عليه والتأكد من أني لن أزعجهم أمنيا ربما 🙂

لم أكن أعرف أحدا في المدينة .. ذهبت إلى سكني – كانت الواحدة ظهرا – وكان سكني عبارة عن غرفة ضيقة في أحد المنازل – لا تصلح سوى للنوم – وكل شئ آخر مشترك من حمام ومكتب ومكان للأكل والطبخ مع أشخاص آخرين. حاولت أكلم أهلي أطمنهم لكن كان علي شراء أحد الكروت من مكان آخر ففعلت ذلك في اليوم التالي.

أذكر أني كنت شعلة من الحماس والسرور لرؤية بلاد وناس جديدة والتفكير في تلك الأحلام التي ينتظر تحقيقها ولم أفكر في آلام الغربة سوى في وقت متأخر مع نهاية الشهر الثالث.

ذهبت في اليوم التالي للجامعة .. كانت لم تبدأ الدراسة بعد والتقيت حينها بالمشرف لأول مرة. كنت قد راسلته قبلها لآخذ رأيه في الكورسات التي يجب علي أخذها حتى أعمل معه في النظم الدقيقة فأرسل لي قائمة مشابهة بالفعل لما قمت بتحضيره. أغبى شئ عملته هو أني قمت بالتسجيل فيها كلها (٣ كورسات ثقيلة) بالإضافة للدراسة الجانبية مع المشرف.

كانت الكورسات كلها بعيدة عما درسته سابقا وكلها من كورسات الدراسات العليا أو المراحل المتقدمة بشكل عام. ربما مشكلتي الرئيسية أني لم أجد من أستشيره ممن مر بتجربتي .. نعمة فعلا أغبط عليها طلاب كثيرين تتوافر لهم تلك الخدمات الآن وهي والله لا تقدر بمال.

ولعل هذا هو الغرض الرئيسي من تلك الحلقات فهي ليس حكاية شخص ولكني أختار مواقف بعينها فيها دروس – بين طيات أسلوب قصصي – أراها مهمة جدا للمقبلين على الطريق.

كيف اخترت موضوع الدراسة البحثية؟ كيف كانت خبرتي المريرة في الكورسات؟ وكيف اجتزتها؟ وكيف كانت بدايات الصدمة الحضارية بعد أول ٣ أشهر ومع بداية سقوط الثلج وانعزال الشمس من الأفق؟ أجيب عن ذلك لاحقا

أخيرا .. نسيت أن أذكر في المرة السابقة أني في أوراق التقديم حرصت أن أذكر التراكمي الخاص بآخر سنتين في الكلية بشكل مستقل بالإضافة لتراكمي سنوات الكلية الخمسة. لعل هذا يشفع لي ويظهر للجان القبول في الجامعات أن منحنى التغيير عبر سنوات الكلية في الاتجاه الإيجابي.

دروس مستفادة لإخواني الطلاب الجدد:
– حاول تبرز ما يميزك في السيرة الذاتية
– تأهل نفسيا قبل السفر وفكر في التغييرات قبل أن تصدمك
– حاول تحجز السكن بمساعدة أحد من الجامعة أو الاتحادات الطلابية بها حتى لا تصدم
– لا تأخذ حملا شاقا من الكورسات في البداية خصوصا لو في غير تخصصك وخذ رأي مشرفك دائما
– اسأل الطلاب السابقين قدر المستطاع عن خبراتهم وحاول تبني عليها
– تعلم آثار وأعراض الصدمة الحضارية حتى إذا شعرت بها لا تعتقد أنك مجنون
– الرجال يبكون ولا شئ في ذلك .. المهم العمل والاجتهاد .. فقد فات وقت الشكوى

الحلقة القادمة – لحظات التعلم الأولى