#لعلها_تفيد – الحلقة السادسة: الباحثين والمجتمع

بعد ستة أعوام من العمل مع الباحثين الكوريين والأوروبيين والأمريكيين وغيرهم من الجنسيات غيرت وجهة نظري في أشياء كثيرة وزاد احترامي لهم ولكل مخلص جاد في عمله.
وتغيرت وجهة نظري فيما يعتقده كثير من أبناء بلدي .. كان بَعضُنَا قبل السفر يعتقد أننا كمصريين أذكياء وبأقل مجهود منظم يمكننا تحقيق الكثير. وأنه بالتالي مشكلتنا في قلة وانعدام التنظيم وأننا كأفراد لا مشاكل عندنا. تلك فلسفة يؤمن بها كثيرون ويشطح البعض غرورا معتقدا أن الطفل المصري مثلا أذكى من غيره وغيرها من المعتقدات المتخلفة التي لا أعرف حتى جدوى التفكير فيها. زادت شفقتي على أولئك الذين يظنون أنهم الأذكى عقولا – وينظرون لشعوب شرق آسيا مثلا على أنهم مجرد ماكينات شغل – وينتظرون الفرصة أن تأتيهم ولا يسعون لها كغيرهم.

الواقع الذي رأيته هو أن جغرافية الشعب لا تعبر سوى عن عاداته وتقاليده ومعتقدات روحانية فقط. وأننا جميعا بشر فينا التفاوت في القدرات وفينا المجتهدين الذين يعملون ليل نهار وفينا المكبرين أدمغتهم. فينا من يستوعب من مرة ومن يستوعب من عدة مرات. فينا المنظم والفوضوي والصالح والطالح.
كذلك كثير من الناس يخرجون من بلادهم محملين بأمراض ومزايا منبعها مجتمعاتهم التي نشؤوا فيها. أمراض ربما منها التعصب وقلة احترام المواعيد وحب الكلام كأنهم يعرفون كل شئ وأمراض تتعلق بالنظافة وسلوكيات الأكل وهكذا. لا أقول أن هذه صفات عامة في الأفراد لكن ستجد مؤشرات عامة. كذلك ستجد صفات ممتازة مثل التركيز في العمل وعدم الالتفات لأشياء أخرى وتنظيم الوقت وغيرها. فالمجتمع لا شك له أثر ولكن لا يجب تعميم أي شئ سلبي أو إيجابي من سلوكيات فرد لمجتمع.

المجتمع الذي ستغترب فيه كذلك له أثر. في حالتي ربنا رزقني بالالتحاق بجامعتين ممتازتين وكان المجتمع فيهما متميزا فتعلمت منه كثيرا. ومن هنا رسالة لمن سيقدم للدراسة في الخارج. حاول جهدك أن تلتحق بأفضل ٢٠ جامعة أو كلية في مجالك فالموضوع ليس فقط تعليم وبحث أفضل لكن المحيط حولك سيكون في عمومه أفضل ويمكنك فيه عمل صداقات متميزة.

كذلك من خبرتي مع الطلبة الهنود والشرق آسيويين والأمريكيين وجدت فرقا كبيرا في مستواهم بين الجامعتين اللتين التحقت بهما ولكن في كلتا الجامعتين كان الطلاب يطحنون أنفسهم بشدة. ومع هذا التفاوت في المستوى والقدرات فهمت معنى هام في أنه يجب أن تعمل بقوة وبجد بغض النظر عن ذكاءك وقدرتك على الاستيعاب فهذا الذكاء يجب أن يستغل في زيادة الإنتاجية ولا تعتمد عليه بأن تقلل جهدك.
كذلك الجامعات كلما زاد مستواها كلما زادوا من المشروعات ومتطلبات الكورسات. ربما لأنهم يعلمون أن خامة طلابهم يمكنها تحمل الكثير. شهدت ذلك بنفسي.

ففي منيسوتا أخذت كورس خاص بالدوائر الديجيتال الكثيفة وكان المشروع أن نعمل ذاكرة (SRAM) بحجم متوسط على تكنولوجيا ٣٢ نانومتر وكان بالنسبة لي صعب. وفي ميشيجان نفس الكورس كان محتواه أكبر ومشروعه مجنون. كان على الطلاب عمل شريحة بروسيسور كاملة!! يا إلهي على هذا الجهد في مجرد كورس .. لكن التعلم منه كفيل بأن تلتحق بوظيفة فقط لأنك أخذت هذا الكورس.
أذكر عندما كانت الشركات تأتي لتوظيف الطلاب في ميشيجان أني تحدثت مع إنتل وتكساس إنسترومنتس وغيرهم وكانوا يسألون بشكل واضح عن إذا ما كنت درست الكورس رقم كذا .. كانوا يذكرون رقم الكورس وليس اسمه من شهرته. والحقيقة أني كنت في غاية التعجب من القدر المبذول من أستاذ المادة ومن معهم من مدرسين مساعدين على مقدار الجهد المبذول وكنت أتسائل كيف عندهم وقت يعملوا فيه أبحاث!! لكن لما تحسبها في دماغك وتفهم أنه متفرغ ١٠٠٪‏ لهذه الوظيفة ويعمل ما يتجاوز ١٠ ساعات يوميا في تلك البيئة المشجعة من أول النظام العام وحتى قدرات الطلاب ذاتهم يكون كل شئ منطقي.

المهم .. صداقة هؤلاء الباحثين من الجنسيات والطباع المختلفة مهمة وستؤثر عليك. وتحديات التواصل معهم لهي جديرة بأن تحلها وتصبر عليها وتكون اجتماعيا معهم سواء بالأكل معهم في الجامعة – بادر أنت ولا تنتظر أن يدعوك هم – أو الحديث معهم في أحوالهم وأبحاثهم واعرض عليهم مساعدتك.

بعد أول فصل لي قمت بإخبار الطلاب معي في المعمل بأني سأفرغ ٦ ساعات أسبوعيا لأساعدهم في أبحاثهم. وكان لهذا التصرف وقع طيب على مشرفي والذي بسبب هذا الموقف وبعده مواقف أخرى مشابهة كان يمازحني دائما بمناداتي “ماي هيرو” 🙂

هم كذلك ساعدوني وسأذكر قصة أحدهم معي.
قصة في بدايات بحثي في منيسوتا .. تعين علي بناء نظام تجريبي على الفئران يمكننا من خلاله تمرير تيار كهربي داخل مخهم. وبدون الدخول في التفاصيل (ربما أفصل موضوع البحث في حلقة أخرى) كان علي بناء دائرة كهربية صغيرة الحجم وتتسع للمكونات المطلوبة. وكان عندي أسئلة كثيرة عن البرامج المتاحة التي سأستخدمها وأين سأصنع البورد وغيرها من الأسئلة. وساعدني أحد الباحثين القادمين لمعملنا من كوريا – كان في آخر شهرين قبل مناقشته للدكتوراة – ونشأت بيننا صداقة دامت حتى الآن .تعلمت كثيرا منه وكان شخصا يحب تعليم غيره ويصبر عليه. ولم أتعجب عندما علما منه أنه قرر الانتقال من العمل في البحث والتطوير بسامسونج إلى أن يكون أستاذا بأعلى جامعة في سنغافورة حاليا.

سأختم الحلقة متحدثا عن بحث هذا الصديق. كان يعمل على تصنيع ترانسيستور من نوع ( ISFET) الهدف منه استشعار ما يحدث من إشارة نتيجة الأيونات التي تنتج من ترابط شريطي الحمض النووي. ما يحدث هو أنه يوجد محلول تحدث فيه الارتباطات في الحمض النووي (DNA Sequencing) ولهذا المحلول درجة حمضية (pH) محددة .. عند حدوث ارتباطات في الشريط المزدوج للحمض النووي يصدر من التفاعل أيونات (أيون هيدروجين موجب) يغير بالتالي من درجة حمضية المحلول. وهذا تحديدا ما يقيسه الترانسيستور. فالمحلول يتم وضعه مكان البوابة الطبيعية للترانسيستور المعروف وتغير حمضية المحلول وتكون الأيونات فيه يؤدي إلى تغير في التيار المار في الترانسيستور. عبقرية هذا الحل أنك يمكنك وضع مصفوفات من هذا الترانسيستور تماما مثل البيكسلز في الكاميرا وبالتالي يمكنك قراءة واستشعار كم ضخم مما يحدث في الحمض النووي.
الاختصار يوضح ما يعمله هذا الترانسيستور الخاص
Ion Sensitive Field Effect Transistor
وللترانسيستور تطبيقات أخرى متعلقة بنفس نظرية عمله.

تعرفت من خلال مناقشاتي الكثير عن هذا الجهاز الدقيق وكانت شركة سامسونج هي من تساعد وترعى تصنيع تلك الأجهزة لصديقي. كان لهذا الخبر تأثيرا كبيرا علي وعلى رؤيتي لانحطاط الصناعة في البلد التي أتيت منها. خاصة عندما سألني: ما الصناعات الموجودة في مصر؟ كدت أبكي حسرة من هذا السؤال ومن إجابتي له.

أرجو من الله أن يكون الجيل الحالي عونا للأجيال القادمة على التحرر والبناء والقضاء على من شلونا وسببوا تخلفنا عبر عقود مضت وربما أخرى قادمة.

مصادر:
١) عن الإيسفت
https://en.m.wikipedia.org/wiki/ISFET

إضافة: شاهدوا هذا المقطع لعله يحمس كثيرين:
https://youtu.be/LRFtczZRwoI


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s